الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

397

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فالقرآن يبين أن الله يعلم الأشياء التي تدعونها - كائنا من كان ، وأي شئ كان - فكل أولئك المعبودين إزاء قدرته كمثل بيت العنكبوت ، ولا يملكون لأنفسهم شيئا كي يعطوه لكم . ، والآية الثالثة - من الآيات محل البحث - لعلها تشير إلى ما استشكله أعداء الإسلام على النبي ( صلى الله عليه وآله ) في هذه الأمثلة التي ضربها الله ، وكانوا يقولون : الله الذي خلق السماوات والأرض كيف يضرب الأمثال بالعنكبوت والذباب والحشرات وما شاكلها ؟ فيرد القرآن بقوله : وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون . إن أهمية المثال وظرافته لا تكمن في كبره وصغره ، بل تظهر أهميته في انطباق المثال على المقصود ، فقد يكون صغر الشئ الممثل به أكبر نقطة في قوته . قالوا في ضرب الأمثال : ينبغي عند الكلام عن الأشياء الضعيفة والتي فيها وهن أن يمثل لها في ما لو اعتمد عليها ببيت العنكبوت ، فهو أحسن شئ ينتخب لهذا الوهن وعدم الثبات ، فهذا المثال هو الفصاحة بعينها والبلاغة ذاتها ، ولذا قيل : إنه لا يعلم دقائق أمثلة القرآن ولا يدركها إلا العلماء ! . وفي آخر آية - من الآيات محل البحث - يضيف القرآن الكريم : خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين . ليس في عمل الله باطل أو عبث . . . فإذا التشبيه بالعنكبوت وبيته الخاوي هو أمر محسوب بدقة . وإذا ما اختار موجودا صغيرا للتمثيل به فهو لبيان الحق ، وإلا فهو خالق أعظم المجرات والمنظومات الشمسية وغيرها . ومن الطريف - هنا - أن نهاية هذه الآيات تنتهي بالعلم والإيمان ، ففي مكان يقول القرآن : لو كانوا يعلمون وفي مكان آخر يقول : وما يعقلها إلا العالمون وفي الآية التي نحن في صددها يقول : إن في ذلك لآية للمؤمنين . وهي إشارة